الشيخ محمد جميل حمود

476

الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية

وهنا ، حتى صار بشرا سويّا ذا عقل وبيان أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 78 ) وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ( يس / 78 - 79 ) . يقال لمثل هذا القائل الذي نسي خلق نفسه : يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . يقال له : إنك بعد أن تعترف بخالق الكائنات وقدرته وتعترف بالرسول وما أخبر به ، مع قصور علمك حتى عن إدراك سرّ خلق ذاتك وسرّ تكوينك ، وكيف كان نموّك وانتقالك من نطفة لا شعور له ولا إرادة ولا عقل إلى مراحل متصاعدة مؤتلفا من ذرّات متباعدة ، لبلغ بشرا سويّا عاقلا مدبّرا ذا شعور وإحساس . يقال له : بعد هذا كيف تستغرب أن تعود لك الحياة من جديد بعد أن تصبح رميما ، وأنت بذلك تحاول أن تتطاول إلى معرفة ما لا قبل لتجاربك وعلومك بكشفه ؟ يقال له : لا سبيل حينئذ إلّا أن تذعن صاغرا للاعتراف بهذه الحقيقة التي أخبر عنها مدبّر الكائنات العالم القدير وخالقك من العدم الرميم . وكلّ محاولة لكشف ما لا يمكن كشفه ولا يتناوله علمك فهي محاولة باطلة وضرب في التيه ، وفتح للعيون في الظلام الحالك . إنّ الإنسان مع ما بلغ من معرفة في هذه السنين الأخيرة ، فاكتشف الكهرباء والرادار واستخدم الذرّة ، إلى أمثال هذه الاكتشافات التي لو حدّث عنها في السنين الخوالي لعدّها من أوّل المستحيلات ، ومن مواضع التندر والسخرية أنّه مع كلّ ذلك لم يستطع كشف حقيقة الكهرباء ولا سرّ الذرّة ، بل حتى حقيقة إحدى خواصهما وأحد أوصافهما ، فكيف يطمع أن يعرف سرّ الخلقة والتكوين ، ثمّ يترقى فيريد أن يعرف سرّ المعاد والبعث . نعم ينبغي للإنسان بعد الإيمان بالإسلام أن يتجنّب عن متابعة الهوى ، وأن يشتغل فيما يصلح أمر آخرته ودنياه ، وفيما يرفع قدره عند اللّه ، وأن يتفكّر فيما يستعين به على نفسه ، وفيما يستقبله بعد الموت من شدائد القبر والحساب بعد الحضور بين يديّ الملك العلّام ، وأن يتّقى يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون .